2011/11/04

مذكرات حاجّــة ..



- السلام عليكم ..
- وعليكم السلام ورحمة الله .. إزيك يا ماما ؟
- الحمد لله يا حبيبتي .. وحشتيني !
- وانتِ أكتر والله يا ماما .. !
الصوت بعيد ، وكأن تيارًا هوائيًا يتدخل في المنتصف ، فيحمله بعيدًا ، ويشوِّش على ما تبقى منه ..
- انتم في الطريق لمكة يا ماما ؟
- آه يا حبيبتي ..
ابتسامة متأملة علت وجهي ، وشوق جارف اهتز به فؤادي ..
- توصلوا بالسلامة !
- يا رب .. ادعيلنا كتير يا حبيبتي ، احنا قبل الميقات بشوية .. ربنا يستر وميحصلش زي السنة اللي فاتت !
الذكريات تتدفق عابرة ، وأنظر للأعلى قائلة :
- لا ، بإذن الله خير يا ماما .. إن شاء الله ربنا ييسر لكم ..
-  إن شاء الله .. أدعيلك بإيه يا حبيبتي ؟!
ارتجفت فجأة .. واعتصرتني قبضة الأشياء الكثيرة التي أدفنها في العمق ، ولا يعلم بها إلا الله ..
شئ حارق انبثق على أثر هذا السؤال ..
وكل الأمنيات ، انطلقت كالأرواح ، تتسائل عن مصيرها ..
ازدحم قلبي بكلامٍ كثير ، فأمسك بعضه بعضًا ..
- زهــراء ؟!
بصوتٍ مرتجف ، أجبت : انتِ عارفة يا أمي !
خُيِّـل إليَّ أنها تبتسم ، وأجابتني كلماتها : أيوة يا حبيبتي ..
- رعاكم الله ..
-     آمين .. مع السلامة يا زهراء ..

أغلقت الهاتف ، ثم انفجرت تلك المشاعر سويةً ..




العام الماضي .. كانت في قلبي تلك الأمنية تتعاظم يومًا بعد يوم : أريد أن أذهب للحج ..
أتمنى أن تمس عيناي أستار الكعبة ، وأسير في الحرم ، لا أدري أي نوع من الرحمات يتغمدني !
أود لو أبكي على عرفات .. كل تلك الدموع التي أحتجزها ، أنا أحتجزها لعرفات لو تعلمون !
أود أن أبيت بمزدلفة .. وأرمي جمراتي ، وأسعى ، وأطوف قدومًا وإفاضةً ثم وداعًا !
أكاد أجن .. لا أدري كيف سيذهب الحجاج هذا العام وأنا هنا ، أتقلب في أشواك حسرتي !

سمعت كلمات مثل : ولكن الله مجيب للدعاء ، هنا أو في مكة ، ما الداعي لكل هذا ، ألم تؤدي الفريضة !

قررت ألا أتكلم .. سأضمرها في قلبي .. وسيذهبون إلى منى .. وأراهم يبتهلون على عرفات ..
ثم ينفرون للمزدلفة .. ثم تنهمر عليهم الرحمات والرضا الأعلى من كل صوب ، وأنا هنا !!

لا أدري كيف مرت الأيام كلمح البصر .. وحدث في حياتي انقلابًا كبيرًا ..
أدى إلى أن أترك البلد كلها ، وأسافر ..
فوجئت في أول يوم بأمي.. كانت عينيها ملأى بالدموع ..
تقول وهي تحاول إسعادي : أنا حجزت لنا في رحلة حج يا زهراء !


ذلك اليوم ، كنا نركب ، متجهين إلى الميقات ..
فرحة مشوبة بالترقب .. أشعر بأن قلبي قطعة من الصخر ..
كنت أناجي : يا رب ، أتيت بي إلى هنا ، وأنا الآن لا أكاد أصدق !
يا رب ، قلبي أشعر به لا يتحرك ، لا يهتز .. قلبي ممتلئ بالهم ، ولا أدري كيف يحول الهم بيني وبينك !
فكري مشغول بألم كبير أنت أدرى به ، ولا أدري كيف أعبر عنه ، أو ماذا أطلب منك !

وكأنه تعالى علم ماذا أريد ..
وصلنا إلى لجنة التفتيش التي تسبق الميقات ..
سألوا عن تصريحات الحج .. أجابهم السائق بأن للحملة بأكلمها تصريح واحد ..
ونظرا لأن الازدحام كان شديدًا في هذا العام ، فقد شددوا في أمر التصريحات هذا ..
أمرونا بأن نرتد على أعقابنا ونعود من حيث أتينا ...
هنا بدأ القلق ، والضيق ، والهم ، والغم ، وكل سواد ينتشر بين قلوبنا ويملأها ..
يقود السائق ، فأجدنا نمر على لافتة : الرياض ، كذا كيلو ..
مـــاذا ، أية رياض ؟! أنحن عائدون إلى بيوتنا حقًا !!
يزداد الضيق .. وتختنق القلوب ..
يراودنا الأمل حينما نرى لافتة : الطائف - مكة ..
 ثم لا تلبث أن تتحول إلى الرياض ..
هل نحن نحاول محاولة اليائس ، وسينتهي بنا الأمر إلى العودة ؟!
" هنالك ابتُليَ المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدا " !
يقوم " عمو " مسؤول القافلة ، ويمسك بالمايك ويردد :
لا إله إلا الله العظيم الحليم .. لا إله إلا الله رب العرش العظيم ..
لا إله إلا الله ، رب السماوات ورب الأرض ، رب العرش الكريم !
الهمهمات البائسة تزداد .. والتضرعات تعلو ..

انكمشت على نفسي ، ألصقت رأسي بالنافذة ، وتركت دموعي تنهمر بصمت ..
ربَّــاه ، أأتيت بي إلى هنا ، وقطعت بي كل هذه العقبات المستحيلة ، حتى نقف قبل الميقات بقليل ، وتردني ؟!
أهذا يعني أنك تقول لي : لا أريدك ؟!
أتريدني أن أتأكد هكذا !
وإن عدت ، فكيف تكون حياتي بعد هذا ؟! أين سأفر منك ، وأين سأذهب !!

بعد طول دوران .. وقفنا في استراحة في المنتصف بين لافتتي الرياض ومكة ..
نزل كل الركاب ، ما عداي .. بقيت وحيدة ..
ما عاد في قلبي قوة على أي شئ سوى البكاء .. بدأت أبكي .. ثم أنتحب ..
بكيت كثيرًا كثيرًا ....
ثم فوجئت بصرخةٍ فَـرِحَـة مفاجئة ..
ماذا حدث ؟! تساءلت !
لافتة الطائف - مكة تزغرد في أضواء الكشافات .. الحافلة تتحرك قدُمًا .. 
وأصوات فرحة .. تسبيح وتحميد وتهلليل وتكبير ..
كيف !
التفت : ماما ، إيه اللي حصل ؟!
- الحمد لله يا زهراء .. سمحوا لنا بالعبور !

ثُـمَّ أنزلَ علَـيكُـم مِـن بعدِ الغَـمِّ أمنَـةً نُعاسًا يغشى طائفةً منكُم ... "
الآية تتردد في رأسي بقوة .. وقلبي يخفق بعنف لم أشهد له مثيلاً ..
بكيت ، وارتجفت في حضن أمي .. حتى سألها من حولها من النساء : زهراء مالها ؟!

أن تشعر فجأةً بأنك عــاجزٌ تمام العجز عن أي ردة فعل سوى الارتجاف ..
كيف لي إلى الحمد سبيل ؟!
أشكرك ، أشكرك ، أشكرك .... أنت تعلم قدر الامتنان في قلبي .. أشكرك !
حتى الآن يراودني الحياء ، بأني لم أستطع وقتها أن أشكر هذه الهدية كما ينبغي ..

وصلنا إلى أبواب مكة ... وأوقفونا ثانيةً ..
قام أبي ، وقال لي : تهيئي نفسيا ، قد لا يسمحوا لنا بالمرور !
لست أدري أي ثقة تلك التي دفعتني لأقول : ربنا مش هيجيبنا لحد هنا ، ويرجعنا !..
تحركت الحافلة مع آخر كلمة .. فابتسمنا ..

يا حبيبي ... يا رب .. يا كريم يا رب !

أول ما ذهبنا ، ذهبنا إلى المبيت بمنى ..
منهكين مرهقين متعبين للغاية ..
سألتهم : ألن نطوف طواف القدوم ؟!
أبي : لكننا متعبون يا زهراء ، لنؤجله مع الإفاضة ..
- حاضر !
قلتها ، وفي قلبي شئ .. بل أشياء ..
لم يمر الكثير من الوقت حتى أخبرونا بأن هناك حافلة ، ستقل من أراد أن يطوف طواف القدوم ، ويسعى ..

تلك الفرحة بعد الفرحة يحملنني على الأجنحة ويرتفعن بي !

كلما اقتربنا من المسجد الحرام اضطرب جوفي .. وازدحم عقلي :
ماذا سأطلب من الله ؟ كيف سأدخل عليه ؟ كيف سأعتذر له ؟!
ما علمت أنه تعالى قد أتى بي ، وحملني حملاً إلى كل هذا الطهر ، كي يسمعني !

دخلنا ، ونظرت إلى الكعبة ..
ذاك العشق المتمكن من قلبي .. شعرت شعورًا عاصفًا ومحيرًا للغاية ، شعور محبَّـين طال فراقهما ..
حتى إذا أتى اللقاء ، خرست الألسنة ، واشتعلت القلوب ، وتحدثت الأدمع !
اقتربت بخطوات ثقيلة ، مرتجفة .. أمسك قلبي لئلا يخترق أضلعي رغمًا عني ويلتصق بأستارها ..
أو تضعف به القوى ، فيحمله الشوق على الارتماء فوق أرض الحرم ؛ يقبلها نهمًا !

زحام شديد ، لم أرَ له مثيلاً .. كم كان عدد الحجيج في هذا العام ؟ قيل ستة ملايين !
برغم ذلك .. حملتنا الخطوات .. شوط وراء شوط .. حتى لمسنا الكعبة ..
ثم زاد الكرم والاصطفاء ، حتى التصقنا بها .. 
ثم زادا .. حتى صلينا ركعتين في حجر إسماعيل !..
وقفت أبكي ، فقط .. لا أدري ما أقول ..
وكأن الهواء إذا تحرك يمنةً ويسرة ، حمل معه الرحمة ليدخلها في جوفي ، ويغرسها غرسًا !
حتى الآن ، لا أصدق كيف حدث هذا !..

صلينا ركعتين خلف مقام إبراهيم .. وحملت الأرض دموعًا سكيبة ، تبوح بالكثير ..
كنت أجلس على الأرض ، أنظر للكعبة وأبكي غير مستوعبة ، وذاهلة ، وفرحة ...
قلت لأبي : الله وحده يعلم كم كنت أحتاج هذه الحجة ، وأتطلع إليها .. وأتعطش للقدوم هنا !
كان جواب أبي :
قد نرى تقلُّـبَ وجهِكَ في السماءِ فلَنولِّـيَـنَّـكَ قِبلةً تَرضاها " 

سعينا مع الساعين .. والذكر يصدح ، تكبيرًا وتهليلاً ، حمدًا وتسبيحًا ، شكرًا وتبجيلاً ..
يرتجف فؤادي في ذهول .. لا يدري أي دوامة نور تخترقه ..
عدنا في تلك الليلة .. وكان شعور الحج قد بدأ يتمكن منا حقًا ..




مِــنــى ...
تعرفنا على جيراننا ... وسبحان الله ، كيف يكون الحج مؤتمرًا يجمع المسلم بالمسلم ..
بعيدًا جدًا عن كل ما يفرقهما من أمور الدنيا ..
بساطة شديدة ، حب صاف .. شعور قوي بالإخاء الذي أذن به الله !..

صباح التاسع من ذي الحجة ... إنه يوم الحج الأكبر .. يوم الوقوف بعرفات ...
نفرنا ... وكان شعوري بأننا مع كل خطوة ، نبتعد أكثر عن همومنا ..
وكأننا ننسلخ أكثر وأكثر من كل ما يربطنا بالأرض ..
ها نحن نعلو ، ها نحن نرتفع .. ها نحن نرقى ونرتقي ، ونقترب ..
حقا ، إن الحج اصطفاء عظيم .. وكرم كبير !

الجو حار جدًا .. كنا نشعر بالإنهاك والتعب ..
جلسنا في الخيام مستسلمين للجو .. راجين أن يهدأ الحر قليلاً كي يبدأ يوم الحج الأكبر ..

مرت الساعات ، واقترب العصر ..
بدأت أسمعي دويًا كدوي النحل ..
الحجاج في ذكر مستمر ..
يا الله ، ذاك الشعور بالنقاء .. وكأن لا شئ في الأرض كلها يشغلهم سوى الله !
لا شئ في نظري يعدل هذا اليوم .. وكأنه يوم الحشر ..
حرص شديد .. همة عظيمة .. ارتباط بالسماء قوي ...

مع اقتراب المغرب ، بدأت أسمع صوت البكاء ..
طلب المغفرة والعفو يصدح ..
كلٌّ يطلب ، ويسأل ..
الضعف والحاجة والتوسل والدعاء والبكاء .... محفل عظيم .. ومهرجان قدير لا مثيل له !

أذان المغرب ..... انتهى يوم عرفة .. فهل غُفِـرَ لنا ؟!
جهاد كبير كي يثبت اليقين في الله ، ويستقر في القلب ..
لن أدع الشيطان يستغل قلبي المتردد دومًا .. فالله تعالى لم يأتِ بي إلى هنا ، كي يردني ولم يُغفَر لي ، حاشاه !

ابتسامات منهكة ، مليئة بالنور والرضى واليقين ، تغمر الوجوه كلها .. لا أحد الآن حزين ..
الآن لا هم ، ولا حَزَن ، ولا شك ...
الرحمات تملأ الجو ، حتى لكأنك تشعر برائحتها ، وبرَدِها يغمرانك !..

تنطلق أفواج الرحمن إلى مزدلفة .. غدًا العيد ...
" فإذا قضيتُم مناسِكَكُم فاذكروا الله كذِكْرِكُم آباءَكُم أو أشدَّ ذِكرًا "
لا تلهينّكم الفرحة .. لا يشغلنّكم عن ذكره ذكر آخر ..
هو الحبيب الحبيب الحبيب ... هو الأحق بالذكر !...

لم أستطع تلك الليلة أن أنام ، برغم شديد تعبي ..
لا أستطيع النوم في الشارع ... عقلي متعب ، وعيني مفتوحة بانتباه .. لن أنام هنا !
صلينا المغرب والعشاء .. امتد الظلام ... بدأ الصمت يتوغل أكثر ، وصوت الهدوء يعلو ..
بعد قليل وجدت نفسي وحيدة تماما ...
السماء ممتلئة بالنجوم ... لأول مرةٍ أراها زاهية قريبة هكذا ..
أخذني عقلي في اتجاهات مختلفة تماما ..
بدأت أضع قوانين جديدة لحياتي ..
بدأت أصفي معارفي .. وقررت أن أُخرِج أشخاصًا من حياتي للأبد .. أو أخرج من حيوات آخرين بلا رجعة ..
الكثير من الهموم .. بدأت أبكي .. فاستيقظ أبي ..
- بابا ، مش عاوزة أعمل عملية في عيني !
- قوليله .. !
يقصد الله - عز وجل - ...

مرت الليلة ، بعد الكثير من الأفكار .. النوم يصارعني وأصارعه ..
لن أنام هنا يعني لن أنام هنا ! 
قلبي يبتسم : كم أنا عنيدة !
صليت الفجر وأنا أقرب إلى الترنح ..
ركبنا الحافلة ... أذكار الصباح ..
تسلل النور شيئًا فشيئًا .. وبدأت الشمس تعلو ..
اليوم هو أول أيام العيد ..
" قل بفضلِ اللهِ وبرَحمتِهِ فبذلكَ فليَفرَحُوا هو خَيرٌ مِمَّا يَجمَعُون " ..

استسلمت للنوم .. ثم استيقظت ، فإذا وقت الظهر قد اقترب ..
- ماما ، صلاة العيد !
- يا زهراء احنا مش بنتحرك .. زحام شديد جدًا .. غالبًا لم يصلِّ العيد أحد ممن معنا جميعًا !
- خيرًا !

طواف الإفاضة .. الطواف الثاني ..
حيث يجتمع كل الحجيج في وقت واحد ، لطواف الفريضة .. لك أن تتخيل قدر الزحام في الحرم !
برغم ذلك ، أوصلنا الله ، أكرم الأكرمين ، سبحانه وتعالى ..
أوصلنا إلى الكعبة ، ألصقنا بها الأوجه ، وانهمرت الدموع ، وارتفعت الدعوات ، وازدحم الرجاء !
ثم صلينا أيضا في حجر إسماعيل .. أنظر إلى الكتابات الذهبية على أستار الكعبة .. 
تلك الهيبة أخذت بقلبي .. شعور لا يُوصَف ، ولا يُنسى !

أيام التشريق ، حيث رمي الجمرات ، والمبيت بمنى ..
أن تبدأ في التفكير فيما وراء هذه المشاعر المقدسة من الحِكَم العظيمة ..
النفير إلى الله عز وجل ..
كل ما في الحج يشعرك بهذا المعنى ..
الصعود للأعلى بكل جوارحك وروحك .. فقط جسدك هو كل ما يربطك بالأرض ..
تلك الليالي ... كانت جميلة جدًا ، ونحن نسير ، أبي وأمي وأنا ، لنبيت في منى إلى ما بعد منتصف الليل ..
الكثير من المواقف الرائعة حدثت ..
في إحدى تلك الليالي ، كان هناك مطر غزير .. ذهبنا إلى مسجد الخيف ..
ثم خرجنا .. كان أحدهم يبيع شايًا ... أردت أن أشرب كوبًا ..
وقفنا قليلاً ؛ لأن الزحام عليه كان كثيرًا .. 
قلت : بابا ، أنا تعبت من الوقفة !
رد أبي ردًا رائعًا ، لا أنساه : احمدي ربنا ، كان زماننا دلوقتي في البيت ، أنا ماسك لابي  ، وانتِ ماسكة لابك ..
وبكل كآبة الدنيا .. كنا هنبقى بعيدين تماما عن هنا !
- الحمد لله ، الحمد لله ، الحمد لله ! : )

مواقف لا تنسى .. شعرت فيها بمعية الله تعالى .. بقوة ربطت على قلبي ، وآوتني ، وكفلتني ..
وكأنه كان يُعِدُّني للقادم ؛ لأكون أقوى ، وأكثر ثباتًا ، ومعرفة بقربه ..
حيث الأمان والاطمئنان والقوة العلوية التي لا غالب لها !
في طريق عودتنا من منى .. سرنا في الطريق العكسي تماما ؛ حتى يقدر لنا أن نلتقي بشخص فيه من الربانية الكثير ..
حتى الآن يتذكرنا بالدعاء .. رضي الله عنه وعنا !..

في اليوم الثاني من أيام التشريق ، انهمر المطر بغزارة ..
كنا متجهين إلى المسجد الحرام ؛ كي نؤدي طواف الوداع ..
ولكلمة الوداع ذاك الوقع القوي الأليم .. فكيف بها إذا ارتبطت بالطواف !

اشتريت شايًا أنا وأبي .. قلت لأمي : ما تشربي شاي يا ماما !
- لأ ، مش بشرب !
- على فكرة يا ماما ، انتِ حرمتِ نفسك من متع كبيرة في الحياة ..
منها انك تمشي على أرض مبللة بماء المطر ، وبتشربي شاي .. !
ضحك أبي ، وضحكت أمي ..

وصلنا للحرم .. أغالب نفسي ، كي تقوى على طواف الوداع !
كان رائعًا .. وصافيًا .. شعرت فيه بالرضى ، والطمأنينة ، والأمان ..
الحمد لله تعالى !
صلينا ركعتين خلف مقام إبراهيم .. تشبثت قليلاً بالجلوس على أرض الحرم ؛ كي أنظر للكعبة ..
أبي يقول لي : لا تجوز إطالة المكوث في الحرم بعد الانتهاء من طواف الوداع !
قلت : بقيت لي السور القصار ، وسأدعو بدعاء الختمة .. أرجوك ، اتركني أدعوه هنا ..
مع كل آية ، كنت أبكي ..
لا أنسى ذاك الشعور الطفولي .. الذي يغالب الأطفال ساعة الفراق ..
تذكرت اليوم الأول في المدرسة ، عندما يبكي الأطفال لفراق يد أمهم ! : )
هو نفسه جعلني أبكي نفس بكائهم ، وأتشبث بأرض الحرم نفس تشبثهم ..
قمت ، وأنا أردد : اللهم لا تجعله آخر العهد ببيتك يا الله !
من الواجب الانطلاق للخارج ، وعدم الالتفات .. ولا يجوز أن يولي الحاج وجهه للكعبة ويخرج بظهره ..
شعرت بأن قلبي يهفو للوراء .. والحنين يعتصره ..
لن أنسى ذاك الوجع أبدا .. برغم أني زرت الحرم بعدها مرات ..!

انتهت رحلة الحج ..
والكريم سبحانه ، يحب الكرم ، ويحب أن يكمل عطاياه ، ويختمها بخير ختام .. سبحانه !
رأت أمي رؤيا .. تصرح بأن الله تعالى قد أسقط خطايانا ، وتقبل طاعتنا !..

الكثير من الروعة تسكن قلبي .. ولن أحيطها بقصائد ودواوين .. ولن أستطيع ..
أرجو أن يغفر الله لي ما تلا هذه الحجة ، وألا يجعله آخر العهد ببيته ..

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ، كما يحب ربنا تعالى ويرضى ....


*******



التقطت هذه الصورة في رمضان الماضي .. 18- 8 - 2011



هذه تلتها ، كانت بتاريخ : 7 - 9 - 2011



ولبيت الله الحرام هيبته التي لا تخطئها العين ، ولا يسلو عنها الفؤاد : )



8 التعليقات:

  1. Like
    مش عارف أقول إيه بصراحة
    مفيش زيادة ممكن تتقال على الكلام دا
    أنا برضو كنت بحج السنة اللي فاتت ، وماكانتش أول مرة
    لكن المواقف اللي حصلت لي في الحجة دي ابتداء من قرار الحج لحد العودة كلها لا تنسى
    لدرجة إن الواحد اليومين دول كل يوم بيقول أنا السنة اللي فاتت كنت بعمل كذا ، أنا زي دلوقتي السنة اللي فاتت كنت مزنوق في تصريح السفر ، أنا زي دلوقتي السنة اللي فاتت رحت المطار ورجعت بسبب مشكلة في التأشيرة ، إلى آخرها من المواقف والأحداث اللي في كل حاجة منها عبر كتيرة

    لا حرمها الله من تمناها

    ردحذف
  2. امممممم ... كلمات أثارت المزيد من الأشواق والحنين الجارف لزيارة بيت الله و الرغبة في التطهر الكامل من دنس الدنيا ووحل الذنوب والاحساس بالارتقاء والقرب من الله

    الله يكتبها لنا .. نفسي بجد

    ردحذف
  3. أحمد كمال :

    صدقت والله .. كانت حجة رائعة بكل معنى الكلمة ..

    أنا أيضا هذا العام ، كلما تذكرت الحج ، قلت لنفسي : السنة اللي فاتت زي دلوقتي كنا في كذا ، وبنعمل كذا : )

    اللهم آمين ... ولا حرمنا تكرارها ..

    ردحذف
  4. أحمد فتح الباب :

    أطفأ الله نيران الأشواق ببرد اللقاء ..

    آمين .. لا حرمنا الله وإياكم منها : )

    ردحذف
  5. سلام عليكم :)
    إزيك يا زهراء؟
    إن شاء الله تكوني بخير :) كل سنه وأنتِ إلي الله أقرب وعلي طاعته أدوم وعن معاصيه أبعد..
    اسأل الله الذى عرّفنا ببعض فى دنيا فانية . ان يجمعنا فى جنة قطوفها دانية
    جعل الله لكم دعوة لا ترد ووهبكم رزقًا لا يحصي ولا يُعد وفتح لك باب في الجنة لا يسد :)
    متقولي آمين ده دي :) :)
    والسلام :)

    ردحذف
  6. وعليكم السلام ورحمة الله :)
    أنا بخير حال الحمد لله .. كيفك أنت يا باشمهندس؟
    وأنت بخير .. أكرمك الله :)

    الهم آمين آمين آمين ، يا أكرم الأكرمين .. ولك بمثله وأفضل إن شاء الله أستاذي " سماح المرادي بقى " :))

    كن بخير .. والسلام :)

    ردحذف