2011/08/10

الأخذ و العطاء





من تلك الأشياء التي تطرق أبواب العقل مفاجئة ..

قال تعالى : " ومِن أهلِ الكتابِ مَن إِن تَأْمَنهُ بقِنطارٍ يُؤَدِّهِ إليكَ ومنهُم مَن إِن تَأمَنْهُ بدينارٍ لا يُؤَدِّهِ إليكَ إلَّا ما دُمْتَ عليهِ قَائِمًا  "

    فكرت - ولست أدري لماذا - : هل هذا مدح من الله تعالى لهؤلاء القوم من أهل الكتاب الذين كانوا على قدر الأمانة ؟!

وسبحان الله ، اختار سبحانه القنطار ليبين لنا أن أمانة المؤمنين من أهل الكتاب وإن كانت ثقيلة فإنهم يؤدونها ..

واختار الدينار ليبين أن أمانة الكفار من أهل الكتاب وإن صغرت أمانتهم فإنهم يخونونها ، ولا يقومون بتأديتها ..

هنا كان التشديد على قيمة الأمانة ..

ثم تذكرت حديث النبي - صل الله عليه وسلم - : 

" من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فليُنَفِّس عَن مُعْسِرٍ أو يضع عنه "


والمعسر هنا هو الذي لا يستطيع سداد الدين ، وقد يكون إمهاله واجبًا ، أو قد يكون مستحبًا

قارنت الآية بالحديث .. ثم تذكرت الآية الكريمة : " وَإِن كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيسَرة ، وأن تَصَدَّقُوا خَيرٌ لَكُم "

___


من روعة التوجيه الرباني في تربية المؤمنين بيان الواجبات والتأكيد عليها ،


ثم يتأتى بعد ذلك الفضل ، والعطاء ، والكرم

أي أن الله - سبحانه وتعالى - أوضح لنا مدى أهمية أن يكون المرء قدر الأمانة ، وأن عليه تأديتها إذا كان مستطيعًا ،


         بل وقبل أن يطلبها عليه أن يتأكد ، أو توجد لديه النية المؤكدة من تأديتها ..


قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " من أخذ أموال الناس يريد أداءها ، أدى الله عنه ،


ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله


وعن محمد بن عبد الله بن جحش رضي الله عنه قال : كان رسول الله صل الله عليه وسلم قاعدًا حيث توضع الجنائز 

فرفع رأسه قِبَل السماء ، ثم خفض بصره ، فوضع يده على جبهته

فقال : " سبحان الله ‍‍‍! سبحان الله ما أنزل من التشديد‍ ! "

قال : ففرقنا - أي ارتعبنا - وسكتنا ، حتى إذا كان الغد سألت رسول الله صل الله عليه وسلم


فقلت : ما التشديد الذي أنزل ؟ 

قال : في الدين ، والذي نفسي بيده لو قتل رجل في سبيل الله ثم عاش ، ثم قتل ثم عاش ،

ثم قتل وعليه دين ما أدخل الجنة حتى يُقضى دينه .

___

لم يُهوِّن ربنا تعالى أو رسولنا - عليه الصلاة والسلام - من قدر الأمانة ،


بل كان تعظيم قدرها ، والترهيب من إهمالها .. هذا هو الواجب ..


بينما أتى الكلام اللين للدائن - صاحب المال .. صاحب الحق - في أن يمهل ، ويصبر 

بل ويعفو إذا استطاع .. وكان من كرم الله - عز وجل - أن جعل جزاء ذلك تنفيس كربة من كرب يوم القيامة ..



 الخلاصة : هذا درس رباني لكل مربي ، أو كل من يريد تربية نفسه ..


الواجبات أولاً ، ثم الحقوق ..


ولا يوجد هنا أي مجال للظلم ، بل موازنة ، ومقاربة ..


أعطِ ثم خذ .. وفي المقابل أيضًا ، أعطِ ثم خذ ..

لو أننا جميعًا تعاملنا مع بعضنا بهذا المنطق لما وجدت شكوى مظلمة ..

ومع النفس كذلك ، أجبرها على العطاء ، قبل أن تعتاد الأخذ بلا مقابل ..

الله تعالى كريم ورحمن ورحيم وجواد ، بل أننا لن ندخل الجنة إلا برحمته لا بأعمالنا ..

لكنه برغم ذلك شدد على العمل ، والسعي الحثيث في طلب الجنة بالفعل و بالدعاء ..

ومن الآيات المؤلمة حقًا قوله تعالى : " وأَن ليسَ للإنسَانِ إلَّا مَا سَعَى " ..

هنا يتضح التوازن الحق في ديننا الأسمى .. العدل ، والكرم ..
___

رحم الله نفوسنا ، وهداها ، وكتب لنا العتق من أغلالها ..

أهدي هذا الكلام إلى نفسي كتذكرة بمدى تقصيرها وضآلتها ..

ولست أدري لم جاء بهذه الكيفية ، حيث أن هذا ليس بأسلوبي في العادة :)


6 التعليقات:

  1. يا الله :(

    كم هي ثقيلة تلك التي حملها الإنسان ، إنه كان ظلوماً جهولاً

    جزاكِ الله خيراً على التذكرة م/ زهــراء

    ردحذف
  2. سمو الأمير :

    حقًا .. ثقيلة ، ذات شأن ، ولا حول ولا قوة إلا بالله !

    أعاننا الله على حملها ، وحسن أدائها .. جزانا وإياكم خيرًا م/أحمد ..

    ردحذف
  3. سلام عليكم

    قال ربنا تقدست اسماؤه"وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا"
    الله يجعل ما خطت يراعك في ميزان حسناتك يوم ان تلقي الله عز وجل..
    زهراء...زهراء....زهراء
    في نفسي شيء من قولك (أسلوب الله)ممكن نقول (من روعة التوجيه الرباني)أو الأسلوب القرآني..سلي من تثقين في إعتقادهم عن هذا الوصف (أسلوب الله)..لعلي أكون جانبت الصواب فيما جنحت إليه من فهم...لعلي!!
    كان في النية ان اكتب كليمةصغيره وأختصر لان الموضوع مصبوغ بصغة وعظيه..وماشاء الله مُرتب..ربنا يتقبل..ولكن وما اسخف الدنيا إذا كان فيها لكن..!!
    وللحديث بقية لاني علي عجلة من أمري :)
    دمت مسددة :)

    ردحذف
  4. عابر سبيل :

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    جزاكم الله خيرًا يا فندم .. اللهم اشدد على قلوبنا وارزقنا الإخلاص فإنه أضحى صعبًا على قلبي ..

    بالنسبة لكلمة "أسلوب الله" .. فقد عدلتها .. حضرتك على حق ، هي فعلاً ، لا تصح ، وتثير الحساسية فور قراءتها :))

    جزاكم الله خيرًا على هكذا ملاحظة :)

    لم أتعمد أن أخرج الموضوع بأسلوب وعظي ، فأنا لا أحبه حقًا ، لكني لم أستطع إلى كتابته سبيلاً غير هذا .. الحمد لله ..

    سعدت بتعليقكم ..

    وفقكم الله فيما أنتم فيه ، وسددكم ..

    كن بخير :)

    ردحذف
  5. طبتِ وطاب سعيك..وأسعدك الله أينما كنتِ وأينماحللتِ :)
    ودمت مسددة موفقة :)
    رب كلمة قالت لصاحبها دعني...وأفضل منها قول نبينا صلي الله عليه وآله وسلم يقول:" إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم القيامة وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة"
    علي فكره سعدت جدا و جدا كمان لأهتمامك :)الكلام كثير وانا اخشي ان اثقل عليكِ بكلامي :)
    والسلام

    ردحذف
  6. آمين .. نحن وإياكم بإذن المولى :)

    وأنا - حقًا - سعدت أكثر بالملاحظة ، وكنت أود لو أن حضرتك أتممت كلامك ؛ فأنا أتشوق لمعرفته .. وكم يفيدني ويثير بعقلي نقاط نور :)

    جزيت خيرا :)

    والسلام ...

    ردحذف