تأملتها كثيرًا جدًا.. أمعنت النظر فيها.. أحسست بأني أنتمي لها، وتنتمي هي لي.. أحسست بشعور جامح يراودني لأضمها إلي..
تأملتها، كانت لا تزال كما أتذكرها تمامًا.. تلك الصغيرة البريئة.. التي تحاول بنظراتها المستكشفة سبر أغوار العالم والناس من حولها..
تلك الوردة التي لا تزال تتفتح، وقلبها يخفق بشدة شكرًا وحبًا لكل من يتعامل معها برقة وإحسان..
ذلك الينبوع الذي يفيض حبًا، وطموحًا، وجمالاً، وروعة!
تأملتها.. بجمالها الصارخ الخلاب، وشقاوتها المحببة، وروحها المرحة، وعقلها البرئ، وقلبها الطاهر!
ها هي أمامي.. أعرفها كما لم أعرف أحدًا.. حتى أني أعرف عنها أدق تفاصيل حياتها، وأصغر الأحداث التي عاشتها وستعيشها!
أحسست نحوها بحنان الأم، ولهفة المحب، وحرص الصديق، وأشجان المجرب، وأفراح العارف!
اقتربت منها.. مددت إليها يدي.. جذبتها إلي.. ضممتها ضمةً عميقة.. أحسست بقلبها يتناغم مع قلبي، وبأنفاسها تلاحق أنفاسي، دموعها تسابق دموعي، وروحها تطالع روحي!
رفعت رأسها، نظرت في عينيها الصافيتين، وددت لو أحملها في عيني، أو أحتفظ بها داخل قلبي للأبد؛ لا أريد لها الرجوع، لا أرديها أن تخوض ما خضته من قبل!
لست أدري كيف أفكر الآن.. ما هذا الجنون؟!!
لربما خطر على بالي في لحظات أنها تتكرر في أزمنة مختلفة، ونفس الأمكنة!
حسنًا.. هذا ما أعنيه: إنها تعيش تجاربها مرارًا وتكرارًا في لحظة واحدة فقط... مع اختلاف المراحل الحياتية..
جنون؟! .. لا ليس هكذا، وإلا فكيف تكون بين يدي الآن، وعيناي تنظران إلى عينيها، ورائحتها المحببة تفعم عقلي وتخدره؟!!
حسنًا، لم لا ندعنا من هذا الجنون ونعود ثانيةً إلى ما كنا نتحدث عنه؟!!
سألتني بعدما ابتعدت عني فجأة: هل أعرفك؟
كيف ضممتك هكذا، وليست بيننا - على الأقل - سابق معرفة؟!!
كان التعجب والاستهجان يعلو وجهها بشدة..
ارتسمت على شفتي ابتسامة تحمل كم هائل من الحكمة والتجربة والخبرة والدراية - مع شديد تواضعي - !
أجبتها: حسنًا، ربما سمعتي عني يومًا، أو لربما خطرت على بالك ذات مرة، لكني أعرفك أكثر من نفسك.
أحسست بنبضات قلبها تتسارع وهي تنظر إلي بشك وارتياب، والحيرة المشوبة بالقلق تتسلل إلى روحها..
أحببت أن أطمئنها، فقلت لها: لا داعي لكل هذا التوتر حبيبتي!
سألتني بسرعة: من أنت؟ وما هذا المكان؟!!
كان المكان حولنا مغمورًا باللون الفيروزي اللامع المضئ.. وكانت الأرض تتلألأ تحت أقدامنا، وكأنها صرح ممرد من قوارير.. والجو يحمل رائحة الفرح والانتعاش.. والأفق بلا نهاية، بلا حدود، بلا ماضي، ولا حاضر!
ضحكت من أعماق قلبي، وسألتها: أيعجبك هذا المكان؟ إنه أروع ما ابتكرته مخيلتي!
تراجعت للوراء خطوة، وقالت بحزم: أريد إجابة عن سؤالي أنا.
قلت لها: حسنًا، حسنًا.. لا داعي لكل هذا الغضب والقلق يا عزيزتي!
أنا هي أنتِ.. – إن استطعت أن تفهمي – وأنا متأكدة من قدرتك على ذلك - !
لست أدري ما هذا الصمت العميق الذي غمرنا فجأة!
لم يكن صمتًا بالمعنى الحرفي للكلمة.. لكنه كان صمتًا صاخبًا.. كنت أسمع مئاتٍ من الأسئلة بلا أجوبة وهي تراودها.. أفكار كثيرة، وذكريات مريرة، وأيام جميلة، ورؤىً عليلة.. كل هذا كان يتسابق أمام عينيها، وشعورها بالحيرة يتغلب عليها..
اقتربت منها خطوة.. لم تتحرك .. فتقدمت أخرى.. وأخرى..
قلت لها: لا عليكِ.. هدئي من روعك، لا داعي لكل هذا.. حسنًا، أنا هنا لسبب واحد فقط.
سألتني: وما هو؟
أجبتها: أظنك تجزمين بأني هنا لأخبرك بما ينتظرك، وأدلك على ما يتوجب عليكِ فعله، وما يتوجب عليكِ الابتعاد عنه..
أتظنين أني سأقولك لكِ لا تعرفي هذا الشخص، أو عليكِ بهذا؟
أو ربما لأخبرك مثلاً بأزمان سعدك وكدرك، أليس كذلك يا عزيزتي؟!
لا غاليتي، فهذا ليس سبب وجودي معك.. برغم حبي العميق لكِ، ذلك الحب الذي لن تجدي أحدًا بعدي يحمله لك.. إلا أني هنا لأني تمنيت رؤيتك فقط..
نعم.. لمَ هذا التعجب والاستهجان؟ .. حقًا، أنا صادقة.. والدليل على ذلك: تلك الضمة التي سألتي نفسك عن سببها.
أنا فقط اشتقت إليكِ، علمت باستحالة رجوعي، فتمنيت فقط أن أعبر عن مدى حبي لكِ، وعطفي عليكِ، وإحساسي بكِ!
سألتني: بما أنكِ تحبيني هكذا، وبهذا الصدق والإخلاص.. إذن، لمَ لا تخبريني عما ينتظرني كي أغيره؟!
أجبتها: ليس هذا بيدي، ولا بيديكِ.. ما حدث معي سيتكرر معكِ بحذافيره، بأدق تفاصيله وأصغرها.. والدليل على ذلك حي أمامك.. أنا.. أنا دليلك!
ابتسمت، وقالت: وأنا لا أريد تغيير ما حدث، وما سيحدث، ولا حتى معرفته قبل وقوعه؛ لأني ببساطة أحب أن أنتظره، وأتفاجأ به، وأفرح في ساعات أفراحه، وأحزن في ساعات أتراحه.. أحب أن أحيا قدري كما هو بلا أي تدخل خارجي.
نظرت في عينيها العميقتين، وتأملت هي عيني.. ثم ضحكت..
قلت لها: أعلم ما يضحكك..
قالت: حسنًا؟!!
أجبتها: لون عينيك الذي تحبينه.. إنه سبب سعادتك الآن؛ لأنه لم يتغير.. لا يزال صافيًا كينبوع ماءٍ عذب، لم يعرف طريقه بشر.. أليس كذلك؟!
أطرقت قليلاً، ثم رفعت رأسها، ورأيتها ترتمي بين ذراعي.. ألصقت قلبها بقلبي.. وأغمضنا أعيننا..
أحسست بها تتلاشى من بين يدي، نظرت إليها وهي تتبخر في الجو.. ثم نظرت حولي.. فإذا كل شئ يتلاشى.. تلك الألوان تذهب وتختفي في بحر من الظلمات.. أغمضت عيني بهدوء واستسلام..
لحظات.. ثم أحسست بذلك الملمس الناعم الدافئ تحتي..
فتحت عيني، وضحكت ضحكة كلها نشوة..
ثم قمت لألحق بصلاة الفجر..

ماااشاء الله!!
ردحذفأسلوب جذاب وقلم مبدع كماهي العادة :)
لا يستغرب الابداع من أهله ..
بورك قلمكِ غاليتي ..
......
جزيل مودتي ,,
السلام عليكم
ردحذفمــآ شــآء الله جميل ما خطته أناملك أختي الحبيبة
هذا ما عهدناه من أول حرف رأينها منكِ غاليتي
حياك الله
بورك قلمكم المبدع يافندم:)
ردحذفجميلةجداا
جعلكم الله ذخرا للاسلام والمسلمين :)
عزيزتي غريب يبحث عن وطن: أسعدتني جدًا بتعليقك المشجع غاليتي،، جزيتي خير الجزاء.. :)
ردحذفغاليتي دعاء: حياك المولى عزيزتي، جميل كلامك الرقيق يا صديقتي، دمت بخير :)
أستاذي ابن القسام: بورك فيكم وفي وقتكم وفي مروركم المشجع دائمًا..
أيدكم الله، وجزاكم خير الجزاء :)
السلام عليكم ورحمة الله
ردحذفعزيزتي وحبيبتي في الله زهراء,, ما شاء الله عنكِ
تبدعين والله,, بارك الله بكِ
إبداعٌ يتلووه إبداع, عزيزتي استمري
هذا الصرح لكِ, لا تبخلي عليه وعلينا أيضًا^^
حياكِ الله وادامك
اختكــ!ــ^^
وعليكم السلااااام ورحمة الله وبركاته..
ردحذفغاليتي رحمة، أكرمك الله على كل هذا الثناء الرقيق الذي رفعي معنوياتي، وشجعني كثيرًا :)
سأستمر إن شاء الله طالما أن هناك من يحب أن يقرأ كلماتي المتواضعة مثلك حبيبتي..
أحبك في الله، وجمعنا الله على خيرٍ إن شاء الله :) :)