2012/04/06

تــنُّــورة

رسوم: طاهر عبد العظيم


على الباشـ | مدون



ابتسم لها قبل أن يدخلا ، أمسك بيدها ، وقدم التذكرتين ، ثم توغلا في عمق الظلام ..
الضوء الخافت الكامن فوق المسرح لا يكاد يسمح بالرؤية ، صمت يلف القاعة مع القليل من الهمهمات المتفرقة ..
- ” العرض لم يبدأ بعد ” .
قالها بهمس منتشٍ وهو يلتفت لها ..
لم ترَ إلا حدود رأسه مرسومة بخط أسود على الخلفية الملونة من الأنوار ، ولكنها رأت ابتسامته مرتسمة على شفتيه ..
سار أمامها ممسكًا بأطراف أصابعها حتى جلسا على مقعدين متجاورين ..
وبدأ العرض ..
الألحان تسري كالمخدر في الهواء حتى لامستهما ..
تموجات الألوان تعلن عن نفسها زاهية فاتنة في التنورة تحت أضواء المسرح ..
بدأ يدور ، ويدوِّر تنورته ..
تختلط الألوان في عينيهما ، تدور الرؤوس ، وتنبض القلوب ، وتتسارع الأفكار ..
ترتفع التنورة وتهبط ، تميل بزاوية يمينًا ، وأخرى يسارًا ..
تقبض بكفها على كفه .. يشعر بما هي فيه ، فيشد بيده على يدها ..
تمتزج الألوان ، تغني وتحكي وتقرض الشعر ، وهما بمنأى عن العالم وصخبه يسمعان ..
يرسلان أفكارهما ، فتتزين بها التنورة ، وتزداد توهجًا وحرارة ..
تئن الموسيقى ، وتهيم الألوان في جنبات القاعة ، فيهتز لأجلها الفؤاد ، وتختلج المشاعر ، ويضج النبض خصبًا عذبًا لاهبًا ..
يستغرق في الدوران ، يطير ويهبط ، يطفو ويحط ، فتتمايل الرؤوس نشوةً وسُكرًا بلا خمر ..
ترسل يده ، وترفع ركبتيها وتقبض عليهما ضمًا وربطًا على قلبها خشية أن يخترق الصدر ، أو تنجلي أسراره عيانًا بيانًا ، فتبكي الألحان شجنًا ..
تنهمر الدموع .. وتطير التنورة فوق رأسه ، فيقربها منه ، ويرسل ألوانها عبقًا يسكن في عمق الزمان والمكان ..
يميل عليها ، ويمد يده تلقائيًا يمسح دمعها المنهمر ، يضمها ضمًا خفيفًا ويرسلها ، ثم يضمها ضمًا خفيفًا ويرسلها .. تنذرف الدموع حتى تهدأ في سكون ..
تئنُّ بصدره ، وصدره يئنُّ بحبها ، وتطير الأرواح تتعانق ، وتدور راقصة متيمة على أطراف التنورة ..
تدور التنورة ، وتصعد بهما .. خفيفان كريشة ، بلا حزن ولا ألم .. فقط وَجدٌ وشجن ..
هما وحدهما هنا ..
وهما وحدهما هناك ..
تحملهما الألحان ، وتهزهما هزًّا عنيفًا ، ثم تهدهدهما وتشدهما معًا ..
يلتصق القلب بالقلب حتى يتوحد النبض ، ثم يسكن ..
تهدأ التنورة ، ويستقر اللحن شجيًا واحدًا ، وتلتئم الموسيقى مع شقوق القلب فتطفئ لهيبها ..
يسكن الصوت كله ، وتسكن الحركة كلها ، ويسكن الجمع الذاهل كأنما هم تماثيل قُـدَّت من الشمع ..
يعم الصمت كأن لم يكن الضجيج ، وكأن الزمن قد توقف لحظات ، فلا المكان قد وُجِـدَ قبلاً ، ولا الزمان قد مر يومًا ، ولا البشر قد خُـلِـقوا بعد ..
كل شئ معلق بين الأرض والسماء .. حتى استقرت التنورة ، واستقرا هما في الأعالي .


2012/03/14

إلى ابنتي ..



يا ابنتي العزيزة ، لا أريدك مهذبة منضبطة مقيدة .. 
أريدك حرة ، أريدك إنسانة مكتملة الإنسانية .. 
يا ابنتي ، لا أريدك كثيرة التردد كثيرة السؤال عن حرام وحلال ..
أريدك كثيرة السؤال عن عمق الأشياء وكنهها وسببها وحقيقتها وجوهرها .. 
يا ابنتي ، أريدك مسلمة عن يقين ، وباحثة عن تسليم مطلق جاء عن حب مطلق ،
وإيمان متحرر من قيود المجتمع والأصنام الفكرية .


2012/02/29

رحلة انبهاري .. The Fantastic Flying Books of Mr. Morris Lessmore




لم أتصور أن أتفاعل مع هذا الفيلم بكل مشاعري وفكري ..
هو بكل ما فيه من عمق ، وما يحمله من فكرة عظيمة ، أحاول أن أكتبها في سطور من الكلمات ..
لخصها الفيلم في بعض الصور الملونة والموسيقى الخلابة والتفاعل الرائع مع عقل المشاهد ..

يبدأ الفيلم برجل يحاول أن يكتب شيئا ما ، لا يبدو عميقا ..
تهب عاصفة على المدينة ، فتدمر العمران ، وتمزق الكتب ، وتأتي بكل شئ على الأرض ..
ما إن استطاع أن يمسك بكتابه الذي دون فيه بعض الكلمات قبل العاصفة ،
حتى يجد الحروف وقد طارت وصارت الصفحات بيضاء ..
يتملكه الحزن واليأس ، فيقف ويحمل كتابه ويبدأ بالسير على الأوراق الممزقة ..
إلى أن يرى فتاة تحملها بعض الكتب الطائرة ، فيحاول أن يلحق بها ، فلا يستطيع ؛ لأن كتابه ثقيل ولا يطير ككتبها ..



وبينما هي تنظر إليه ، كانت تحمل كتابا على ذراعها ، فتتركه للرجل ، وتكمل رحلتها إلى السماء ..
يرحب به الكتاب ، ويدعوه لأن يسير خلفه ..
يظهر الفارق واضحا بين المدينة التي تركها وراءه قابعة خلف السور الخشبي ، وبين الغابة الخضراء الكامنة أمامه ..
بين اللون الرمادي الشاحب ، وبين الأخضر الحي الباعث على الفرحة ..



يدله الكتاب على منزل تسكن فيه الكتب الطائرة ..
وتبدأ حياته الجديدة في المكان الجديد ، مع أصدقائه الجدد : الكتب ..
يعتني بالكتب ، ويهتم بها ، حتى أن الفيلم يصورها وكأنها أطفاله ..



إلى أن يجد كتابا قديما متهالكا ، مصفرة أوراقه .. يناديه ، فيسقط على يده ممزقا أشلاء ..
يبدأ رحلة علاجه وإصلاحه ، يجري عملية ترتيبه حتى يعود متماسكا ..
لكن الكتاب لم يصحو ، لازال النبض متوقفا .. هل مات الكتاب ؟
يعرض الكتاب الصديق على الرجل أن يقرأ الكتاب المتهالك ، فيبدأ فعلا في المرور على الأسطر والكلمات ..
يعود النبض تدريجيا للكتاب ، ويحمل الرجل ويطير به في عالم جديد ..
عالم يجعله حزينا ، متفاجئا ، منبهرا ، ضاحكا ... عالم متنوع مبهر مضيئ ..
إلى أن ينتهي من قراءة الكتاب حتى يعود ثانية .. شخصا آخر بالطبع ..
محمل بالكثير من الجوانب التي أضاءت في شخصيته..
أن تحيي كتابا ، ليس بأن تنمق أوراقه ، وتحتفظ به سليما في مكتبتك ..
بل أن تقرأه وتحيا به ، فيحيا فيك أنت ، ويصير جزءًا من إنسانيتك ..
بعد الرحلة الممتعة بداخل الكتاب ، بدأ الرجل يكتب .. هذه المرة كانت مختلفة بالطبع ..
أن تكتب قبل أن تقرأ كتابا ، ليس كأن تكتب بعد القراءة ... أنت الآن قد أصبحت إنسانا جديدا محملا بالكثير من المعرفة ..
أتحت لعقلك أن ينفتح على شئ جديد لم تعرفه قبلا .. ولروحك أن تضيئ بشكل لم تعرفه يوما ..
تحوم حوله الكتب ، وتطير بجانبه ، وتغير حياته ..
يغير هو بالمقابل حيوات الآخرين ، يعطيهم الكتب ، فتشرق نفوسهم ، وتشرق وجوههم ..
يستمر في الكتابة ، ويحكي عما رآه وقرأه وعاشه وجربه ..
يحكي عن الفتاة الطائرة التي دلته على حياته الجديدة ..
دائما ، كقارئ ، ستجد ممن كان قبلك أرواحا تطير فتحملك إلى عالم جديد .. فقط ، تتبعها ..
صارت الكتب هي الرفيقة  إلى أن كبر في السن ، وذهب شبابه ..
أنهى الكتاب أخيرا .. وضع فيه كل تجربته ، وخلاصة روحه وعقله وفكره وحياته ..
أغلق الكتاب ... هو إذا ، ترك حياة جديدة للأرض .. سيذهب الآن ، ولكن روحه ستبقى حية بين سطور كتابه ..
لم يذهب إلى السماء كشيخ طاعن في السن ، بل أعادته الكتب شابا .. ثم حملته وطارت به ..



أطلق كتابه إلى الأرض ليدل حائرا ، كما دله كتاب في أول حياته ..
ما إن دخلت الكتب باكية إلى المكتبة ، حزينة متأثرة لفراق صاحبها ، حتى عاد كتابه طائرا ، يحمل البشرى بزائر جديد ..
كانت طفلة ، هذه المرة .. دخلت وتناولت الكتاب وبدأت تقرأ ..
بدأت حياتها الجديدة إذا ...

في ختام الفيلم تذكرت كلمات الشهيد سيد قطب : " إن كلماتنا ستبقى ميتةً لا حراك فيها هامدةً أعراساً من الشموع ، فإذا متنا من أجلها انتفضت و عاشت بين الأحياء ، كل كلمة قد عاشت كانت قد اقتاتت قلب إنسان حي فعاشت بين الأحياء ، و الأحياء لا يتبنون الأموات ...


شاهد الفيلم 



2011/12/19

وحدي مع الصمت

وحدي مع الصمت ..
 تداهمني الذكريات خاطفة مضيئة : خطوات بطيئة تدخل الميدان مثقلة ، أشهادة تأتي ؟
 .. ثم نظرات تستوعب ببطء ، أحجار تقذف يمنة ويسرة .. ثم أصوات رصاص
 ..ثم كلاب يسيل لعابها ولكنها - للأسف - على هيئة بشرية
أراها تخرج فجأة تركض نحونا بعيون بليدة
ثم التصاق يدي بيدها في تلقائية ، وركضنا سوية ننظر للسماء على المدى نستنجدها
 ...ونحن نردد : الله أكبر ، لا إله إلا الله
 ...أقف كي أطرد مداهمة الأحداث

يتحول المشهد ، تباغتني تفصيلتها الطاهرة وهي ملقاة على الأرض

تقاوم بضعفها الذي يراه الله ويعلم حجمه المحمل بالقهر جبالًا ..
 ..ثم قدمه النجسة وهي تضرب جسدها ورحمها
 ..يحمر وجهي غيظًا وألمًا لأني أشعر بي مكانها على الأرض
وأسمعهم يقولون : وما أنزلها ، الأخت تلتزم بالبيت .. 
 ..ثم أراني - أو أراها - تدعو عليهم
وأرى الغضب إذ يتنزل من السماء يقتلع الظالم ، ومن عاونه 
 .بكلمة شامتة ، أو نظرة تشفٍ ، أو موقف مخزٍ فاضح