رسوم: طاهر عبد العظيم
على الباشـ | مدون
ابتسم لها قبل أن يدخلا ، أمسك بيدها ، وقدم التذكرتين ، ثم توغلا في عمق الظلام ..
الضوء الخافت الكامن فوق المسرح لا يكاد يسمح بالرؤية ، صمت يلف القاعة مع القليل من الهمهمات المتفرقة ..
- ” العرض لم يبدأ بعد ” .
قالها بهمس منتشٍ وهو يلتفت لها ..
لم ترَ إلا حدود رأسه مرسومة بخط أسود على الخلفية الملونة من الأنوار ، ولكنها رأت ابتسامته مرتسمة على شفتيه ..
سار أمامها ممسكًا بأطراف أصابعها حتى جلسا على مقعدين متجاورين ..
وبدأ العرض ..
الألحان تسري كالمخدر في الهواء حتى لامستهما ..
تموجات الألوان تعلن عن نفسها زاهية فاتنة في التنورة تحت أضواء المسرح ..
بدأ يدور ، ويدوِّر تنورته ..
تختلط الألوان في عينيهما ، تدور الرؤوس ، وتنبض القلوب ، وتتسارع الأفكار ..
ترتفع التنورة وتهبط ، تميل بزاوية يمينًا ، وأخرى يسارًا ..
تقبض بكفها على كفه .. يشعر بما هي فيه ، فيشد بيده على يدها ..
تمتزج الألوان ، تغني وتحكي وتقرض الشعر ، وهما بمنأى عن العالم وصخبه يسمعان ..
يرسلان أفكارهما ، فتتزين بها التنورة ، وتزداد توهجًا وحرارة ..
تئن الموسيقى ، وتهيم الألوان في جنبات القاعة ، فيهتز لأجلها الفؤاد ، وتختلج المشاعر ، ويضج النبض خصبًا عذبًا لاهبًا ..
يستغرق في الدوران ، يطير ويهبط ، يطفو ويحط ، فتتمايل الرؤوس نشوةً وسُكرًا بلا خمر ..
ترسل يده ، وترفع ركبتيها وتقبض عليهما ضمًا وربطًا على قلبها خشية أن يخترق الصدر ، أو تنجلي أسراره عيانًا بيانًا ، فتبكي الألحان شجنًا ..
تنهمر الدموع .. وتطير التنورة فوق رأسه ، فيقربها منه ، ويرسل ألوانها عبقًا يسكن في عمق الزمان والمكان ..
يميل عليها ، ويمد يده تلقائيًا يمسح دمعها المنهمر ، يضمها ضمًا خفيفًا ويرسلها ، ثم يضمها ضمًا خفيفًا ويرسلها .. تنذرف الدموع حتى تهدأ في سكون ..
تئنُّ بصدره ، وصدره يئنُّ بحبها ، وتطير الأرواح تتعانق ، وتدور راقصة متيمة على أطراف التنورة ..
تدور التنورة ، وتصعد بهما .. خفيفان كريشة ، بلا حزن ولا ألم .. فقط وَجدٌ وشجن ..
هما وحدهما هنا ..
وهما وحدهما هناك ..
تحملهما الألحان ، وتهزهما هزًّا عنيفًا ، ثم تهدهدهما وتشدهما معًا ..
يلتصق القلب بالقلب حتى يتوحد النبض ، ثم يسكن ..
تهدأ التنورة ، ويستقر اللحن شجيًا واحدًا ، وتلتئم الموسيقى مع شقوق القلب فتطفئ لهيبها ..
يسكن الصوت كله ، وتسكن الحركة كلها ، ويسكن الجمع الذاهل كأنما هم تماثيل قُـدَّت من الشمع ..
يعم الصمت كأن لم يكن الضجيج ، وكأن الزمن قد توقف لحظات ، فلا المكان قد وُجِـدَ قبلاً ، ولا الزمان قد مر يومًا ، ولا البشر قد خُـلِـقوا بعد ..
كل شئ معلق بين الأرض والسماء .. حتى استقرت التنورة ، واستقرا هما في الأعالي .






